عبد الواحد بن محمد المالكي ( المالقي )
525
شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير )
قبلها ؛ إذ كانت الفتحة من الألف ، والألف والهاء من مخرج واحد ، واستقر هذا الاعتناء بها والاحترام لها حين ثبت لها من القوة والتمكن ما تقدم . وأما الهاء التي تثبت في الوقف بدلا من التاء فلا حظّ لها في الحركة ولا ثبوت لها في الوصل ، ولا فرق بينها في ذلك وبين هاء السكت ، غير أن هاء السكت لم تجعل بدلا من شئ يثبت في الوصل ، وهذه الهاء جعلت تعاقب التاء كما تقدم . فلما فقدت التمكن والقوة سلبت الاحترام ، وأجريت مجرى الألف ؛ ألا ترى أن الإمالة أبدا سلطت على الألف وإن كانت من حروف الحلق إذ كانت ضعيفة لا تقبل الحركة فصارت لذلك طوع اليمين منفعلة لما يعرض لها من أسباب الإمالة . فإن قيل : ما ثبت من استحسان فتح عين الفعل لأجل حرف الحلق إذا كان عينا أو لاما ينافر إمالة فاء الكلمة في : عابد ، وعالم ؛ لأنه حرف حلق متحرك بالفتح وفي محل يقل فيه التغيير أكثر ما يكون في الأواخر وهو مع ذلك سابق على سبب الإمالة ؛ فكان الواجب أن يستوفى حقه من إخلاص الفتح إذ سبب الإمالة غير موجود وقت النطق بالفاء وإنما يوجد بعد ؟ فالجواب : أنه لما كانت الفاء وسبب الإمالة قد اشتملت عليهما كلمة واحدة ، ولم يكن للسان بد من الإتيان بجميع حروف الكلمة وحركاتها - افتتح أول الكلمة على وجه يناسب آخرها لتخف الكلمة عليه ، وهذه رائحة من معنى قول الشاعر : [ من المتقارب ] رأى الأمر يفضى إلى آخر * فصير آخره أولا « 1 » وينبغي للطالب أن يعلم متى حصل توجيه مسألة في هذا العلم بوجه مناسب - كفى ، فإن اتفق مع ذلك اطراد التوجيه في سائر النظائر واستمرار التعليل فحسن ، وإن لم يطرد ذلك وحصل الاختلاف بين النظائر فلا اعتراض ؛ لأن القوانين في علم العربية إنما هي أكثرية لا كلية ؛ لأن موضوع هذا العلم الألفاظ ، وهو أمر وضعي ، وإنما يلزم الاطراد ، ويقدح الانكسار في العلوم العقلية . فإن قيل : قد ذكرت وجها من الشبه بين هذه الهاء وهاء السكت ، فلم فتحت [ ما قبل ] هاء السكت في - قوله تعالى - : كِتابِيَهْ [ الحاقة : 19 ] و سُلْطانِيَهْ [ الحاقة : 29 ] ،
--> ( 1 ) ينظر البيت في : خزانة الأدب ( 8 / 109 ) والمقتصد في شرح الإيضاح ( 1 / 169 ) ، والخصائص ( 1 / 209 ) ، ( 2 / 31 ، 170 ) وشرح المفصل ( 5 / 120 ) ، والأشباه والنظائر ( 1 / 277 ) .